ابن قيم الجوزية
224
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغانَهُمْ ( 29 ) وَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمالَكُمْ ( 30 ) [ محمّد : 29 ، 30 ] . فكيف إذا جمعوا ليوم التلاق ، وتجلّى اللّه - جلّ جلاله - للعباد وقد كشف عن ساق ؟ ودعوا إلى السجود فلا يستطيعون خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سالِمُونَ ( 43 ) [ القلم : 43 ] . أم كيف بهم إذا حشروا إلى جسر جهنم ؟ وهو أدق من الشعرة ، وأحدّ من الحسام . وهو دحض مزلّة ، مظلم لا يقطعه أحد إلا بنور يبصر به مواطئ الأقدام . فقسّمت بين الناس الأنوار . وهم على قدر تفاوتها في المرور والذهاب . وأعطوا نورا ظاهرا مع أهل الإسلام . كما كانوا بينهم في هذه الدار يأتون بالصلاة والزكاة والحج والصيام . فلما توسطوا الجسر عصفت على أنوارهم أهوية النفاق . فأطفأت ما بأيديهم من المصابيح . فوقفوا حيارى لا يستطيعون المرور . فضرب بينهم وبين أهل الإيمان بسور له باب . ولكن قد حيل بين القوم وبين المفاتيح ، باطنه - الذي يلي المؤمنين - فيه الرحمة ، وما يليهم من قبلهم العذاب والنقمة . ينادون من تقدمهم من وفد الإيمان ، ومشاعل الركب تلوح على بعد كالنجوم . تبدو لناظر الإنسان انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ [ الحديد : 13 ] لنتمكن في هذا المضيق من العبور . فقد طفئت أنوارنا . ولا جواز اليوم إلا بمصباح من النور قِيلَ ارْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً [ الحديد : 13 ] حيث قسمت الأنوار . فهيهات الوقوف لأحد في مثل هذا المضمار ! كيف نلتمس الوقوف في هذا المضيق ؟ فهل يلوي اليوم أحد على أحد في هذا الطريق ؟ وهل يلتفت اليوم رفيق إلى رفيق ؟ فذكّروهم باجتماعهم معهم وصحبتهم لهم في هذه الدار . كما يذكّر الغريب صاحب الوطن بصحبته له في الأسفار أَ لَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ [ الحديد : 14 ] نصوم كما تصومون ، ونصلي كما تصلون . ونقرأ كما تقرؤون . ونتصدق كما تصدقون . ونحج كما تحجون ؟ فما الذي فرق بيننا اليوم ، حتى انفردتم دوننا بالمرور ؟ قالُوا بَلى [ الحديد : 14 ] ولكنكم كانت ظواهركم معنا وبواطنكم مع كل ملحد ، وكل ظلوم كفور وَلكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمانِيُّ حَتَّى جاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ ( 14 ) فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْواكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ( 15 ) [ الحديد : 14 ، 15 ] . لا تستطل أوصاف القوم . فالمتروك - واللّه - أكثر من المذكور . كاد القرآن أن يكون كله في شأنهم ، لكثرتهم على ظهر الأرض وفي أجواف القبور . فلا خلت بقاع الأرض منهم لئلا يستوحش المؤمنون في الطرقات ، وتتعطل بهم أسباب المعايش ، وتخطفهم الوحوش والسباع في الفلوات . سمع حذيفة رضي عنه رجلا يقول : اللهم أهلك المنافقين . فقال : « يا بن أخي ، لو هلك المنافقون لاستوحشتم في طرقاتكم من قلة السالك » . خوف المؤمنين الصادقين تاللّه لقد قطّع خوف النفاق قلوب السابقين الأولين ، لعلمهم بدقّه وجله وتفاصيله وجمله . ساءت ظنونهم بنفوسهم حتى خشوا أن يكونوا من جملة المنافقين . قال عمر بن الخطاب لحذيفة رضي اللّه عنهما « يا حذيفة ، نشدتك باللّه ، هل سمّاني لك رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم منهم ؟ قال : لا . ولا أزكّي بعدك أحدا » وقال ابن أبي مليكة : « أدركت ثلاثين من أصحاب محمد صلى اللّه عليه وسلم كلهم يخاف